جريدة الوطن
سياسية تحليلية تصدر من المغرب وتعنى بشؤون الوطن العربي
.
.

بعد أن ساهموا في نشر المذهب المالكي والعقيدة الأشعرية بأدغال إفريقيا

 خريجو المعهد العالي للأطر الدينية مستاءون من تلكؤ وزارة

             الأوقاف والشؤون الإسلامية تجاه مطالبهم

 

بدأ مشوارهم مع وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية عام 2000 خلال تخرجهم من المعهد العالي للأطر الدينية بالدار البيضاء التابع للوزارة الإسلامية، حيث تم إيفادهم إلى العديد من الدول الإفريقية كأئمة ومرشدين دينيين وخطباء، وتمت هذه العملية في إطار اتفاق تعاون بين وزارة الشؤون الإسلامية وجمعية الدعوة الإسلامية العالمية الليبية، وبطبيعة الحال فإن هذه الأخيرة هي من دفعت لهم التعويضات وليس وزارة الأوقاف المغربية..

وبعد أربع سنوات من الدعوة إلى تكريس نظرية مذهب الإمام مالك رحمه الله وعقيدة أبو موسى الأشعري والتصوف السني في دول الساحل والصحراء، عاد هؤلاء الدعاة إلى بلدهم مؤملين أن تسوى وضعيتهم الوظيفية داخل وزارة الأوقاف الإسلامية، لكن أملهم هذا سرعان ما تبدد وفوجئوا بإجبارهم على الدخول في دورة تكوينية أعدتها الوزارة الوصية على الدين والدنيا لفائدة "الأئمة والمرشدات" بالرغم من أن هؤلاء سبق لهم أن خضعوا لدورات تكوينية بعد تخرجهم من معهد وزارة الأوقاف.

الدورة التكوينية التي أرغموا على الدخول فيها تقتضي توظيفهم بمجرد عقد عمل ولا تمنح لهم التوظيف المباشر كما حصل مع الأفواج السابقة المتخرجة من ذات المعهد، مما يعتبر كيلا بمكيالين من طرف وزارة الشؤون الدينية التي من المفترض أن تكون إدارتها عادلة مع جميع منتسبيها.

 

مطالب هذه الأطر

ـ احتساب سنوات الأقدمية بدءا من عام 2000 (سنة تخرجهم من المعهد).

ـ التوظيف الرسمي في إطار المناصب المخصصة لبرنامج تكوين الأئمة والمرشدات.

ـ رفع شرط توقيع عقد العمل عن هذه المجموعة إسوة بباقي زملائهم السابقين.

ـ ضرورة الأخذ بعين الاعتبار شهادة التخرج من المعهد العالي للأطر الدينية ومعادلة هذه الشهادة بدبلوم الدراسات العليا.

هذه المطالب سبق للأطر المعنية التقدم بها إلى الوزارة الإسلامية ومقابلة أكثر من مسئول لأكثر من مرة، لكن لم يتلقى هؤلاء شيئا سوى الوعود وقد أخلفت الوزارة وعودها مع هذه المجموعة وتبين في الأخير (حسب ذات المجموعة)أنها مجرد وعود فقط، ومضيعة للوقت وإهدار للزمن، خاصة وأن أعمار هؤلاء المتضررين تجاوزت الأربعين سنة.

يذكر أن وزارة الأوقاف تتبع مباشرة لأمير المؤمنين بدليل وجود بنايتها داخل منطقة تواركة مقر القصر الملكي، وهي الوزارة الوحيدة التي لا تخضع ممتلكاتها للكشف كما هو الشأن بالنسبة لباقي الوزارات، بالرغم من المحاولات التي بذلت في البرلمان فإن وزارة الأوقاف ظلت عصية ومحصنة من الاختراق..

تتوفر الوزارة الدينية هذه على ممتلكات تعد بالملايير، ولكنها خارجة عن المحاسبة والمساءلة الجادة حتى داخل قبة البرلمان.

المنتسبون لهذه الوزارة إذا استثنينا قلة منهم ـ يعملون بثمن بخس جدا قياسا إلى الأعمال التي يقومون بها من ذلك على سبيل المثال: خطباء الجمعة وأئمة الصلوات الخمس وما تسميه الوزارة ب: "القيمين الدينين" ويدخل ضمنهم قراء الحزب بعد صلاة الصبح وبعد صلاة المغرب والمؤذنون والمنظفون وغيرهم وإذا ما قيمنا أعمال هؤلاء مقابل ما تصرفه لهم وزارة الدين نجد أم وضع المتسولين أفضل منهم بكثير، فبعضهم لا يتعدى أجره ثلاثمائة درهم، علما أن كل هؤلاء من حفظة القرآن الكريم وملمين بأساسيات الدين الإسلامي، لكن جرت عادة وزارة الأوقاف ألا تهتم بهؤلاء إطلاقا، وبسبب تخلي وزارة الأوقاف عنهم ارتمى العديد منهم في أحضان جماعات دينية متشددة، ومنهم من ارتمى في أحضان المذهب الوهابي حيث تنفق السعودية بسخاء على كل من يدعو إلى مذهبها الرسمي، ومنهم من احتضنته جهات أخرى تسيء استخدام الدين وتوظفه لأغراض سياسية دنيوية محضة، وهذه الأمور كلها لا تتماشى مع خطة ـ تدبير الشأن الديني ـ التي أعلنها جلالة الملك لأن خطوة تدبير الدين يجب أن تبدأ بتسوية وضعية هؤلاء المادية والمعنوية، والخطوة الأولى تكمن أساسا في الاهتمام بحفظة القرآن الكريم أولا وطلاب المعاهد والمدارس الدينية.

إن طلبة القرآن الكريم يقضون جزءا كبيرا من عمرهم في السعي والكد والاجتهاد والمثابرة حتى يجيدوا القرآن الكريم حفظا وترتيلا، فطالب القرآن ليتمكن من حفظ ستون حزبا كاملة يجب أن يستهلك من عمره ما بين 15 و30 سنة، وبعدها يجد نفسه مهملا من قبل المجتمع بعد أن يحصل على لقب (فقيه) أي (حافظ) وتبدأ رحلة هذا الفقيه بما يسمى "الشرط" وتفرض عليه الإقامة الجبرية ب "الجامع" (المسجد) بمقابل يؤدى له من طرف السكان على شكل (أمداد) من القمح والشعير، ويصرف له هذا (الراتب) خلال فصل الصيف بعد انقضاء سنة بكاملها بهذا المسجد أو ذاك، أما المصروف اليومي فيجب على حفظة القرآن الكريم أن ينتظروا الأموات حتى يموتون ليحصلوا على دراهم معدودة تؤدى لحافظ القرآن بعد قراءة القرآن على الميت.

والعديد من حفظة القرآن الكريم يتعاطون مكرهين مع الأسف للسحر والشعوذة وكتابة التمائم للمرضى، بهدف تدبير مصروفهم اليومي الذي غالبا ما لا يأتي..

إن هذه الحياة المهينة التي يعيشها حفظة القرآن الكريم يجب أن يوضع لها حد، خاصة وأن لا أحد في هذا البلد يهتم بأمورهم، بدءا من الوزارة الوصية ومرورا بالحكومة بكامل أجهزتها ووزاراتها ووصولا إلى البرلمان، إذ لم يسبق لنا أن سمعنا نائبا برلمانيا واحدا تطرق لموضوع حفظة القرآن الكريم، وكأنهم فئة منسية ومهملة ومبهدلة في مجتمع يدين سكانه بالإسلام، وهؤلاء الحفظة هم أعمدة الدين، إذ بدون الحفاظ على القرآن الكريم في الصدور فإنه لا مجال لإقامة الدين أبدا.

وأمام هذه الحالة السيئة والرديئة التي يعيشها حفظة القرآن الكريم، نلاحظ بأسف شديد وأسى عميق تخلي العائلات المغربية المسلمة عن إلحاق أبنائها بالجوامع والمساجد، على اعتبار أن الدراسة بها لا تسمن ولا تغني من جوع، وتبعا لهذا التخلي اندثر حفاظ القرآن من العديد من المناطق، ولم يعد المسجد والجامع (خاصة البادية) يؤدي دوره الإشعاعي في مجال تحفيظ القرآن وعلوم الدين، وإذا استمر الوضع على ما هو عليه ـ لا قدر الله ـ فإننا أمام كارثة اندثار الحفظة ودارسي العلوم الشرعية بهذا البلد الذي كان فيما مضى من الزمن منارة القرآن وموئلا للشريعة وناشرا للدعوة الإسلامية في مختلف أنحاء المعمور، وإذا كان القرآن الكريم نزل بالحجاز على قلب النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم فإنه قرئ بالمغرب، ويحفظ التاريخ جيدا مدى إسهامات المغاربة في نشر الدعوة الإسلامية في مختلف ربوع إفريقيا والعالم.

الآن نحن قاب قوسين أو أدنى من اندثار الحفظة بسبب سياسة الإهمال والتهميش التي تمارس عليهم.

الخطر الأخطر في هذا الموضوع أن من يرغب من الشباب الجديد في حفظ القرآن يلتجئ إلى المصاحف، وهذه المصاحف أغلبها يصدر لنا من الشرق، وهذا الشرق الذي لا يحفظ القرآن غالبا ما يصدر لنا مصاحف محرفة أو منقوصة، وقد سبق لنا أن نبهنا لهذا الخطر أكثر من مرة، على أعمدة هذه الصحيفة وغيرها، لكن لا حياة لمن تنادي وكأننا نخاطب أشباح مجهولين ولا نخاطب مسئولين في دولة ينص دستورها على أن الإسلام هو دين الدولة الرسمي، فكيف يكون هذا الإسلام بلا قرآن؟ وبعودتنا إلى المصاحف المستوردة من الشرق أولا أنها تعتمد روايات غير رواية الإمام ورش التي يعتمدها المغرب مثل اعتماده لمذهب الإمام مالك والعقيدة الأشعرية، فلماذا تتمسك الدولة ووزارتها في الأوقاف بمذهب الإمام مالك ولا تحرص على التمسك برواية الإمام ورش؟

آخر مصحف نتوفر على نسخة منه وبيع في المغرب بكثرة تطرقنا للتحريفات الخطيرة الواردة به في العدد 47 من جريدة الوطن الصادرة خلال شهر أكتوبر 2006 واستكمالا لأداء الأمانة بعثنا بنص المقال وصور الصفحات المحرفة في ذلك المصحف إلى وزارة أحمد التوفيق عبر موقعها في الأنترنيت، وكان حري بهذه الوزارة أن تنشر نص المقال على موقعها وتصحبه بتدابير إجرائية توقف نهائيا استيراد المصاحف من الشرق، أو تناقشنا في الموضوع إذا كنا مخطئين وهذا مستبعد.. لكن شيئا من هذا وذاك لم يحصل، وحتى تتبنى الوزارة كل شيء سارعت إلى إعداد مذكرة تقضي بفرض الرقابة على المصاحف الواردة من هذا الشرق الذي يصدر لنا كل المصائب بدءا من تحريف القرآن ذاته مرورا بنشر مذاهب مخالفة لمذهب الدولة الرسمي ووصولا إلى الفكر المتطرف والعقيم الذي تتبناه العديد من الجماعات الدينية في هذا البلد، ولأجل الأمانة فقط كان على وزارة التوفيق أن تشير إلى المقال المنشور في جريدة الوطن والمرسل إليها عبر موقعها في شبكة الانترنيت، لكن الوزارة تعودت على الإهمال وهذا يتنافى مع دورها في نشر الدين والحفاظ على أساسياته وفي مقدمة ذلك القرآن الكريم.

نشير في ختام هذا المقال إلى أن خريجي المعهد العالي للأطر العليا التابع لوزارة الأوقاف والدين تطرقننا لمطالبهم بداية هذا الموضوع كلهم من حفظة القرآن الكريم، وحاصلين على الإجازة من كلية الشريعة بفاس فضلا عن سنوات الدراسة بهذا المعهد، إضافة إلى كونهم ساهموا على غرار أجدادهم المغاربة الأولون في نشر تعاليم الدين الحنيف بأدغال إفريقيا لبضع سنوات وعادوا إلى بلدهم بعد أن مثلوها خير تمثيل، وها هي وزارة الدين تتلاعب بمستقبلهم الذي تبدو أفقه من الآن مظلمة بالنسبة لهم.

نأمل من وزارة الأوقاف أن تنصفهم وبعد ذلك تفكر في إنصاف حفظة القرآن الكريم عامة .

اللهم قد بلغت، اللهم فاشهد على وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية المغربية

 

 

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية
.
.